لقد أحببتك حقا !
طباعة الموضوع أرسلها لصديقك
أيها الشقي .. منذ افترقنا , تساقطت أوراق الأشجار ثلاث مرات .. وانعقدت أزهار الربيع ثلاث دورات .. وهاجرت الطيور البرية ثلاث هجرات .. وتحت المطر الشرس , أرى صورتك المغسولة على طول ثلاثة شتاءات ! ووداعنا المنقوش على أبواب ثلاث قارات !
ها هو جسدك ينحسر عن زمني راحلا داخل ظله وصوتك الكئيب كصوت ناقوس صدئ يخلف صداه فقاعات داخل دورتي الدموية والدوامة المسعورة بتياراتها الملونة قد هدأت تماما والآن يتضح وجهك ..
الآن , وقد تمت دورة الفراق أستطيع أن أحبك حقا لأنه صار بوسعي أن أراك بوضوح , بعد أن أنجزنا معا قاموس الألم ومعجم الخطايا وابتعدت تماما عن مرمى النظر
الآن أستطيع أن أحصي جراح روحك وآمالك , وخيباتك , وفضائلك بعد أن نسيت أصابعي عدد مسام جلدك ! .
وانتهى زمن الشجار زمن الغيرة الصغيرة , والغضب , وارتجاف الركب لم يبق غير الحب ..
ما دمنا قد افترقنا لم يبق غير الحب يا حرية افريقية مغروسة حتى العظم في جسد ذاكرتي ..
الآن فقط , صار بوسعي أن أحبك حقا لأنه صار بوسعي أن أحدق فيك جيدا بعيدا عن الثرثرة ـ فالثرثرة منفى الحب ـ بعيدا عن أبخرة الغيرة الحمقاء والتملك الوضيع ..
وألتقيك , وأحبك , وأودعك , في لحظة واحدة , كثيفة , مرهفة تخترق فيها حواسي عبر الدهاليز السرية للذاكرة .. ( تراك تفكر بي في هذه اللحظة وتقول : هجرتني الغادرة ؟ ) .. كان علي أن أهجرك لألتقيك صخبك كان يشوش حواسي وجسدك يخدرني , واللقاء كان زوبعة ألعاب نارية , داخل رأسي وكان لا مفر من الفراق الجميل كي ينتابني هذا الاحساس الجميل لقد أحبببتك ! .

غادة السمان
حقوق النسخ © بواسطة . جميع الحقوق محفوظة. ضفاف جميع الحقوق محفوظة. الكاتب: أبو جهاد - نشرت بتاريخ: 2006-02-25 (51310 قراءة) [ عودة للصفحة السابقة ] |